الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

150

أنوار الفقاهة ( كتاب التجارة )

والحاصل أنّ الأحاديث في كلّ طائفة متظافرة وان كان كلّها أو جلّها ضعافا بحسب السند ، وهذا المقدار يكفي في الاعتماد على اسنادها ، وطريق الجمع ظاهر ، وهو الحمل على الكراهة ، فلا مجال للحكم بالحرمة إلّا أن يحمل النهي على خصوص موارد التدليس ، هذا وما قد يتوهّم أنّ لمس شعر الأجنبية والنظر إليه غير جائز ممنوع ، لأنّ المعلوم حرمة النظر إليه أو لمسه إذا كان جزءا من بدنها ، أمّا إذا انفصل فقد تبدّل الموضوع بموضوع آخر كما هو واضح ، ولا مجال للاستصحاب أيضا ، لذلك ، وان فرضنا حجيّته في الشبهات الحكمية . الثّاني : قال الشيخ الأعظم قدّس سرّه : إنّ التدليس بما ذكرنا إنّما يحصل بمجرّد رغبة الخاطب أو المشتري وإن علما أنّ هذا البياض والصفاء ليس واقعيا ، بل حدث بواسطة هذه الأمور ، فلا يقال أنّها ليست بتدليس لعدم خفاء أثرها . ثمّ رتّب على ما أفاده عدّ لبس المرأة الثياب الملوّنة الموجبة لظهور بياض البدن منه . انتهى « 1 » . وأنت خبير أوّلا : بأنّ لفظ « التدليس » وإن لم يرد في روايات الباب إلّا أنّه بمعنى كتمان العيب ، وهو غير موجود هنا ، ولكن قد عرفت أنّ العمدة هي عنوان « الغشّ » ، وفسّره أهل اللغة بإظهار خلاف ما أضمره ، و « الخدعة » وما هو غير خالص أو مخالف للنصح . والظاهر اعتبار جهل المغشوش به ، في مقابل التبيين ، مثل ما في رواية الحلبي قال : لا يصلح له أن يغشّ المسلمين حتّى يبيّنه « 2 » . وقوله صلّى اللّه عليه وآله وسلم في رواية سعد الإسكاف : « ما أراك إلّا وقد جمعت خيانة وغشّا للمسلمين » « 3 » . كما سيأتي إن شاء اللّه في أحكام الغشّ ، فلو علم المشتري بحقيقة الحال لم يشمله . وثانيا : إنّه مخالف للسيرة المستمرّة ، لأنّا لا نجد أحدا ممّن يخطب من النساء لا تلبس في تلك الحالة ثيابا حسنة جميلة ، بل تلبس ما يرغب فيها ، بل تتزيّن كثيرا بأنواع الزينة ممّا يعلمها الخاطب والمشتري ، ولو قلنا بكون ذلك كلّه تدليسا لم يستقرّ حجر على حجر ( وبيع

--> ( 1 ) . المكاسب المحرّمة ، للشيخ الأنصاري قدّس سرّه ، ص 22 . ( 2 ) . وسائل الشيعة ، ج 12 ، ص 420 ، الباب 9 ، من أبواب أحكام العيوب ، ح 2 . ( 3 ) . وسائل الشيعة ، ج 12 ، ص 209 ، الباب 68 ، من أبواب ما يكتسب به ، ح 8 .